لطالما كان مرض الزهايمر من أصعب الأمراض تشخيصًا في مراحله المبكرة. فالطرق التقليدية، كالبزل القطني الجراحي وفحوصات الدماغ المكلفة، ليست مزعجة فحسب، بل غالبًا ما تكون غير متاحة لكثير من المرضى. إلا أن تحولًا جذريًا يحدث الآن: إذ تبرز فحوصات المؤشرات الحيوية في الدم كطريقة أسرع وأقل توغلاً وأقل تكلفة للكشف عن خطر الإصابة بالزهايمر ومتابعة تطور المرض.
إمكانات المؤشرات الحيوية في الدم في الكشف عن مرض الزهايمر
سلطت دراسة حديثة عُرضت في الاجتماع السنوي للأكاديمية الأمريكية لعلم الأعصاب الضوء على إمكانات فحوصات الدم في إحداث ثورة في الكشف عن مرض الزهايمر. وقد تابعت الدراسة، التي تُعد جزءًا من مشروع BioRAND (دراسة المستودع الحيوي للأمراض التنكسية العصبية)، 54 مشاركًا، متتبعةً مؤشرات حيوية رئيسية مثل بروتينات الأميلويد، وبروتينات تاو، والالتهاب العصبي - وهي علامات مميزة لمرض الزهايمر.
بخلاف التشخيصات التقليدية، التي تؤكد فقط وجود المرض، يمكن لهذه الاختبارات الدموية مراقبة التغيرات بمرور الوقت، مما يوفر رؤى حول كيفية إبطاء أو حتى عكس التدهور المعرفي من خلال التدخلات المتعلقة بنمط الحياة.
المؤشرات الحيوية الرئيسية التي يتم قياسها:
- لويحات الأميلويد (نسبة Aβ42/40) : تعمل تجمعات بروتينات الأميلويد على تعطيل التواصل بين خلايا الدماغ، وهو عامل رئيسي في مرض الزهايمر.
- بروتينات تاو (p-tau217 و p-tau181) : تشكل هذه البروتينات تشابكات في الدماغ، وترتبط ارتباطًا وثيقًا بالضعف الإدراكي.
- مؤشرات الالتهاب العصبي (GFAP و NfL) : تشير إلى التهاب الدماغ والتنكس العصبي.
ووفقًا للدكتورة كيليان نيوتيس، وهي طبيبة أعصاب وقائية مشاركة في الدراسة، فإن هذه المؤشرات الحيوية ليست مجرد أدوات تشخيصية، بل هي طريقة لقياس التقدم المحرز لدى المرضى الذين يعملون بنشاط على تحسين صحة دماغهم.
نقلة نوعية في الكشف المبكر عن مرض الزهايمر والوقاية منه
يُعدّ تباين دقة الاختبارات بين منصات فحص الدم التجارية المختلفة أحد التحديات الرئيسية حاليًا، ولكن على الأقل تم إحراز تقدم. ويشبه الدكتور ريتشارد إيزاكسون، الباحث البارز في مجال مرض الزهايمر، مستقبل هذه الاختبارات بـ"اختبار الكوليسترول للدماغ"
تخيل عالماً يخضع فيه الأشخاص في الثلاثينيات والأربعينيات من العمر وما فوق لفحوصات دم دورية لتقييم خطر الإصابة بمرض الزهايمر، تماماً كما هو الحال مع فحوصات الكوليسترول أو الجلوكوز اليوم. فالكشف المبكر قد يتيح إجراء تغييرات وقائية في نمط الحياة (النظام الغذائي، والرياضة، والنوم، وإدارة التوتر) مما يؤخر أو حتى يمنع التدهور المعرفي.
لماذا لا يكفي الكشف المبكر وحده؟
مع أن هذه الاختبارات تكشف عن خطر الإصابة بمرض الزهايمر، إلا أنها لا توقف المرض بمفردها. يجب على المرضى الالتزام بتغييرات جذرية في نمط حياتهم، مدعومة علميًا، لإبطاء التدهور المعرفي، أو حتى عكسه. تُظهر أحدث الأبحاث أن التدخل المبكر يُحدث فرقًا كبيرًا، ولكن بشرط أن يلتزم المرضى ببروتوكولات علاجية منضبطة وطويلة الأمد.
ما يقوله العلم:
- أجرت دراسة عُرضت في الأكاديمية الأمريكية لعلم الأعصاب عام 2024 متابعة للمرضى الذين أجروا تغييرات جذرية في نمط حياتهم. وقد شهد أولئك الذين التزموا بدقة ببروتوكولات الدراسة انخفاضات كبيرة في المؤشرات الحيوية الضارة، وصلت لدى بعضهم إلى 84%.
- يؤكد الدكتور ريتشارد إيزاكسون، وهو باحث رائد في مجال مرض الزهايمر، أن "معرفة أرقامك لا فائدة منها ما لم تتصرف بناءً عليها"
- لم يشهد المرضى الذين تجاهلوا التوصيات أي تحسن، مما يثبت أن الكشف يجب أن يقترن بالتحرك.
العمل الشاق المطلوب لإبطاء أو منع مرض الزهايمر
لم يكتفِ المرضى الأكثر نجاحًا في الدراسة بإجراء تعديلات طفيفة، بل قاموا بتغيير عاداتهم جذريًا. إليكم ما نجح:
1. نظام غذائي صحي للدماغ (بدون غش)
- حمية البحر الأبيض المتوسط أو حمية MIND (الخضراوات الورقية، التوت، المكسرات، زيت الزيتون، الأسماك الدهنية)
- خالٍ من السكر المُصنّع (المرتبط بالالتهاب وتراكم الأميلويد)
- الأطعمة منخفضة المؤشر الجلايسيمي لتحقيق استقرار نسبة السكر في الدم (ارتفاع نسبة الجلوكوز يزيد من تفاقم تشابكات بروتين تاو)
- مثال: امتنعت بيني آش فورد، إحدى المشاركات في الدراسة، عن تناول جميع أنواع الحلويات - لا آيس كريم ولا بسكويت ولا حلويات - لأكثر من عام. وانخفضت مستويات بروتين تاو لديها بنسبة 75%.
2. ممارسة التمارين الرياضية المكثفة والمتواصلة
- ممارسة التمارين الهوائية (أكثر من 150 دقيقة أسبوعيًا) لزيادة تدفق الدم إلى الدماغ
- تمارين المقاومة (2-3 مرات في الأسبوع) للحد من التنكس العصبي
- ممارسة اليوغا أو التأمل لخفض التوتر (التوتر المزمن يسرع من الإصابة بمرض الزهايمر)
- النتيجة: تحسنت نتائج الاختبارات المعرفية لدى المرضى الذين التزموا بالعلاج بشكل كبير بمقدار 5 نقاط - وهو ما يكفي لتأخير ظهور الخرف لسنوات.
3. المكملات الغذائية الدقيقة والإشراف الطبي
- أحماض أوميغا 3، وفيتامين د، وفيتامينات ب لدعم صحة الخلايا العصبية
- الأدوية الموصوفة (إذا لزم الأمر) لضغط الدم أو الكوليسترول أو مقاومة الأنسولين
- تتبع المؤشرات الحيوية بانتظام لتعديل البروتوكولات
- النتيجة الرئيسية: المرضى الذين اتبعوا 60% على الأقل من التوصيات شهدوا تحسناً ملحوظاً. أما أولئك الذين اتبعوا نسبة أقل فلم يشهدوا تغييراً يذكر أو لم يشهدوا أي تغيير على الإطلاق.
الحقيقة: الأمر ليس سهلاً، لكنه ناجح
يأمل الكثير من الناس في وجود "حبة سحرية" للوقاية من مرض الزهايمر، لكن الأدلة واضحة: التغييرات المستمرة والمنضبطة في نمط الحياة هي وحدها التي تُحدث الفرق.
تقول الدكتورة كيليان نيوتيس، أخصائية طب الأعصاب الوقائي: "لا يمكنكِ إجراء الفحص ثم نسيان الأمر. إذا لم تتخذي إجراءً، فسوف يتفاقم المرض"
قصة بيني آش فورد [رابط للمقال الأصلي] تثبت أن ذلك ممكن - لكنها تصف نظامها بأنه "أصعب شيء فعلته على الإطلاق"
مستقبل الوقاية من مرض الزهايمر
رغم أن اختبارات المؤشرات الحيوية في الدم لا تزال قيد التطوير، إلا أن إمكاناتها لا جدال فيها. يُجري الباحثون حاليًا تقييمًا لأكثر من 125 مؤشرًا حيويًا لتحسين أساليب الطب الشخصي. والهدف؟ إتاحة اختبارات دقيقة وبأسعار معقولة للجميع، تُمكّن الأفراد من التحكم بصحة أدمغتهم.
في الوقت الحالي، تقدم قصص النجاح مثل قصة بيني الأمل: يمكن تعديل تطور مرض الزهايمر من خلال تغييرات نمط الحياة، وقد تساعدنا فحوصات الدم قريبًا في تتبع هذا التقدم في الوقت الفعلي.
أهم النقاط المستفادة:
✔ تُعدّ فحوصات الدم لمرض الزهايمر أقل توغلاً وأكثر قابلية للتطبيق على نطاق واسع من البزل القطني أو التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني.
✔ يمكن للمؤشرات الحيوية مثل الأميلويد، والتاو، والبروتين الليفي الحمضي الدبقي، والبروتين الدهني العصبي أن تتابع تطور المرض والاستجابة للعلاجات.
✔ يمكن لتغييرات نمط الحياة (النظام الغذائي، والرياضة، والنوم) أن تُحسّن بشكل ملحوظ مؤشرات صحة الدماغ.
✔ قد يشمل المستقبل إجراء فحوصات دم دورية لـ"صحة الدماغ" للكشف المبكر عن المخاطر.
إن المعركة ضد مرض الزهايمر تدخل حقبة جديدة - حقبة يمكن فيها للكشف المبكر والوقاية أن يغيرا حياة الملايين.
إذا كانت لديك أو لدى أحد أحبائك مخاوف بشأن مرض الزهايمر أو التدهور المعرفي، ندعوكم لحجز موعد استشارة مع أحد أطبائنا. فالتوجيه المبكر يوفر لكم الوضوح والدعم وراحة البال.
المراجع:
دراسة الأكاديمية الأمريكية لعلم الأعصاب حول المؤشرات الحيوية الدموية لمرض الزهايمر،
دور الأميلويد والتاو في تطور مرض الزهايمر،
الدكتور ريتشارد إيزاكسون حول الوقاية من مرض الزهايمر،
دراسة حالة: تحسن المؤشرات الحيوية لدى بيني آش فورد،
الدكتور نيوتيس حول ضرورة اتخاذ إجراء بعد الكشف عن المرض


